أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

79

شرح مقامات الحريري

ثم تحثحثنا للارتحال ، إلى ملقى الرّحال ، فالتفت أبو زيد إلى شبله ، وكان على شاكلته وشكله ، وقال : إنّي لإخال أبا عمرة ، قد أضرم في أحشائهم الجمرة ، فاستدع أبا جامع ، فإنّه بشرى كلّ جائع ، وأردفه بأبي نعيم ، الصّابر على كلّ ضيم ، ثمّ عزّز بأبي حبيب المحبّب إلى كلّ حبيب ، المقلب بين إحراق وتعذيب ، وأهب بأبي ثقيف ، فحبّذا هو من أليف ، وهلمّ بأبي عون ، فما مثله من عون ، ولو استحضرت أبا جميل ، لجمّل أيّ تجميل . * * * قوله : « السّنة » ، النوم ، الهجود : الرقاد . باخ : سكن حرّه . تحثحثنا ، أي تحرّكنا . ملقى الرحال : موضعها . شبله : ولده . شاكلته : طريقته . شكله : مثله ، وتكون الشاكلة والشكل واحدا وجمع الشكل أشكال وشكول . إخال : أحسب ، وكنّى الجوع أبا عمرة ، لأنه يعمر كلّ جوف ؛ قيل لمدني : أتعرف أبا عمرة ؟ قال : كيف لا أعرفه وقد تربع في كبدي . وقال الراجز : [ الرجز ] حلّ أبو عمرة وسط حجزتي * وحلّ نسج العنكبوت برمتي « 1 » أضرم : أوقد ، وكنّى الخوان - وهو المائدة - أبا جامع للاجتماع حوله للأكل . وأردفه : جيء به خلفه ، وكنى الحوّاري ، وهو الدرمك أبا نعيم ، لأن خبزه أنعم الأخباز وأصفاها . الضّيم : الذلّ ، وجعله صابرا على كل ذلّ ، لأنه لا يصل من صورة البر إلى الخبز إلا بعد علاج شديد ، وتغير له من حال إلى حال . وفسر معنى أبي حبيب بقوله : المحبب إلى كل لبيب . وقوله : المقلّب بين إحراق وتعذيب ، يريد أنّ ما ولي من الجدي النار وقت شبّه احترق ، وما لم يلها أدركه حرّها فأنضجه وأسال ودكه ، فذلك تعذيبه . أهب : ادع به وصح به . وكنّى الخل أبا ثقيف لأنه يثقف الطعام ، أي يحذقه فيطيب للأكل . أليف : صاحب ، وإنما قال : حبذا هو من صاحب ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « نعم الإدام الخل » « 2 » .

--> ( 1 ) الشطر الثاني من الرجز بلا نسبة في المخصص 12 / 288 . ( 2 ) أخرجه أبو داود في الأطعمة باب 39 ، والنسائي في الأيمان باب 21 ، وابن ماجة في الأطعمة باب 33 ، والدارمي في الأطعمة باب 18 .